
أوغستس ريتشارد نورتون.. حين خرجت صورة نصر الله من الضاحية إلى الشارع العربي
❗️خاص صدى الولاية | إعداد وتحرير: محمد الباقر ترشيشي – مدير موقع صدى الولاية الإخباري❗️
ماذا رأى باحث أميركي عاش في جنوب لبنان، وراقب التحولات الشيعية منذ ما قبل ولادة حزب الله، عندما نظر إلى تجربة السيد حسن نصر الله؟
الجواب عند أوغستس ريتشارد نورتون لا يبدأ من الخطابات ولا من الصورة الإعلامية وحدها، بل من تحول اجتماعي وسياسي عاشه لبنان على امتداد عقود.
نورتون عرف الجنوب اللبناني ميدانياً منذ عام 1980، حين خدم مراقباً عسكرياً غير مسلح مع الأمم المتحدة، في مرحلة لم يكن فيها حزب الله قد تأسس بعد. ومن هنا جاءت خصوصية قراءته اللاحقة: لقد شاهد البيئة قبل الحزب، ثم درس نشأته وصعوده وتحوله إلى لاعب أساسي في لبنان.
وعندما وصل إلى مرحلة السيد حسن نصر الله، وجد نفسه أمام ظاهرة تجاوزت التنظيم نفسه.
كانت حرب تموز 2006 واحدة من اللحظات التي كشفت ذلك بوضوح.
لم تعد صورة نصر الله بعد الحرب محصورة في الضاحية الجنوبية أو الجنوب أو البقاع. سجّل نورتون انتشار صور الرجل وشعبيته في فضاء عربي أوسع، حتى إن صور نصر الله والمواد التي تحمل وجهه أصبحت تُباع في دمشق، فيما ظهرت قمصان تحمل صورته في أوساط عربية سنية أيضاً.
هنا حدث التحول اللافت.
رجل دين شيعي لبناني يقود حزباً ذا مرجعية إسلامية شيعية أصبح، في لحظة إقليمية معينة، شخصية حاضرة في شوارع ومدن عربية تتجاوز الانقسام المذهبي.
لكن نورتون لم يكتب سيرة تمجيدية لنصر الله.
وهذه تحديداً نقطة قوة شهادته.
ففي قراءته لحرب 2006، كان شديد النقد لقرار أسر الجنديين الذي أشعل المواجهة. ورأى أن حزب الله كان ناجحاً تكتيكياً في العملية، لكنه دخل في «مقامرة» استراتيجية، معتبراً أن نصر الله أخطأ في تقدير حجم الرد الذي يمكن أن يتعرض له لبنان.
وهكذا يرسم نورتون صورتين في وقت واحد.
نصر الله الذي بلغ حضوره الشعبي العربي ذروة استثنائية بعد حرب تموز.
ونصر الله القائد الذي اتخذ، وفق قراءة الباحث الأميركي، قراراً عسكرياً كان يحمل مخاطر استراتيجية هائلة.
وهنا تصبح شهادة نورتون أكثر أهمية من المديح المباشر.
لأنه، رغم انتقاده بعض قرارات نصر الله وسياسات حزب الله، لم يستطع تجاهل حقيقة التحول الذي حدث في صورة الرجل ومكانته.
لقد أصبح نصر الله، بالنسبة إلى نورتون، مفتاحاً لفهم التحول الذي أصاب حزب الله نفسه.
فالحزب الذي بدأ في ظروف الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982، تطور على مدى العقود التالية إلى تنظيم يملك حضوراً عسكرياً وسياسياً ومؤسسات اجتماعية وقاعدة شعبية واسعة، فيما أصبحت شخصية أمينه العام جزءاً أساسياً من صورته العامة.
لكن السؤال الأعمق الذي تتركه قراءة نورتون ليس: هل كان نصر الله محبوباً أم مختلفاً عليه؟
السؤال هو:
كيف استطاع قائد تنظيم لبناني أن يتحول، في لحظة تاريخية، إلى رمز تتجاوز صورته حدود حزبه وبلده وطائفته؟
ربما هنا تكمن إحدى أكثر المفارقات إثارة في تجربة السيد حسن نصر الله.
فحتى الباحث الذي انتقد خياراته وجد نفسه يوثق اتساع حضوره.
وهذا بالضبط ما يجعل دراسة نصر الله مختلفة عن مجرد كتابة تاريخ حزب الله.
إنها دراسة العلاقة بين القائد والجمهور، وبين الحرب والصورة، وبين القرار السياسي وصناعة الرمز، وبين شخصية بدأت داخل تنظيم لبناني وانتهت حاضرة في سجال سياسي وفكري امتد إلى المنطقة والعالم.
في الحلقة الخامسة، ننتقل إلى قراءة مختلفة تماماً، مع مفكر أو باحث آخر لم ينظر إلى السيد حسن نصر الله من زاوية التنظيم وحده، بل حاول تفكيك الخطاب والشخصية ومصادر التأثير.